كتب ناصر الدين عبد الكريم مقالا في قضية الهاتف

أهلا بكم… في أول مقالا لنا في قضية الهواتف
بداية: شكرا لصاحب الفخامة ولمعالي الوزير الأول المختار اجاي على الاصغاء لمطالب مواطنينا في سوق الهواتف، وهنيئا لهم بمناسبة نجاح سياستهم الحكيمة بهذا الخصوص.

ثم أما بعد
فلقد وجب التنبيه إلى أنه وفي كل أزمة لها تعلق بحياة بعض مواطنينا ، تنكشف حقيقة بعض الوجوه، وتظهر المواقف كما رأينا في الآونة الأخيرة؛ وكيف سالت أودية هذا الفضاء بمقالات الدعم والمساندة لقرار ضريبي في وقت كان بعض مواطنينا يرفعون أصواتهم طلبًا للإنصاف، ويناشدون أصحاب الجمارك ليصغوا إلى معاناتهم قبل أن تتفاقم الأزمة وتتعقد نتائجها.
ولم يكن المؤلم في المشهد هو القرار في حد ذاته، وإنما الإصرار العجيب من بعض الأقلام والأصوات على الاصطفاف إلى جانب الشدة ودعم التأزيم ، بدل الدعوة إلى الوقوف إلى جانب الناس، وكأنهم لا يهتمون من أمر المجتمع إلا بما يوافق رغبة التطبيل، لا ما يحقق المصلحة العامة.
إن من يراقب هذا السلوك يدرك أن فئة من المطبّلين لا تتحرك وفق قناعة راسخة بمصلحة الوطن، ولا وفق ميزان عدل يراعي أحوال الناس، وإنما ديدنها أن تقف مع من تراه في مركز القرار، ولو كان ماضيًا إلى قرار يفتح عليه أبواب الأزمة. فهم لا ينصحون، بل يزينون، ولا يقوّمون، بل يبررون، ولا يحذرون من الخطر، بل يدفعون إليه في ثوب الولاء المطلق، ثم إذا تبدلت المواقف، أو أعاد أصحاب القرار النظر في الأصلح والأولى ثم عدلوا عن القرار الاول، عادوا يصفقون للاتجاه الجديد بالحرارة نفسها!!، دون أدنى شعور بالحرج أو الخجل، وكأنهم لم يكونوا بالأمس من أشد الناس تحريضًا على التأزيم والتشدد!!!.
إن الحذر من هؤلاء واجب؛ لأنهم لا يحفظون عهدًا، ولا يثبتون على موقف، ولا يقفون عند مبدأ. هم مع مصالحهم فقط، لا مع الحق، ومع الصوت الأعلى، لا مع المصلحة الأرجح. وإذا كان من حق أصحاب القرار أن يراجعوا سياساتهم متى بان لهم وجه الصواب، فإن من الواجب أيضًا أن يدركوا أن بعض من يحيط بهم ليسوا أهل نصح، بل أهل تهليل لكل قرار ما دام صادرًا عن جهة يترقبون منها نفعا، ولو كان وبالًا عليها وعلى الوطن كله !!.
إن الأوطان لا تُدار بالتطبيل، ولا تُصان المصالح العامة بالتصفيق الأعمى، وإنما تُبنى بالحكمة، وبالإنصات الصادق للناس، وبإدراك أن الفقير والبسيط ليسا رقمًا هامشيًا في معادلة القرار، بل هما أولى من يجب أن تُراعى أحوالهما، وأن يُخفف عنهما لا أن يُزاد في أعبائهما. وما من قرار ينجح في واقع الناس إلا إذا كان قائمًا على العدل، محاطًا بالنصح الصادق، بعيدًا عن ضجيج المنافقين الذين يصفقون اليوم لما قد يلعنونه غدًا ويلعنون أهله كما فعلوا أكثر من مرة.
وفي النهاية، تبقى الأزمات لحظات اختبار حقيقية: اختبار لصدق النخب، واختبار لنزاهة الأقلام، واختبار لقدرة أصحاب القرار على التمييز بين النصيحة والتزلف، وبين الدعم المسؤول والتطبيل المفسد. أما الناس، فإنهم لا ينسون من وقف مع معاناتهم، كما لا يخفى عليهم من اختار أن يكون بوقًا للأزمة بدل أن يكون صوتًا للعقل والرحمة.

  1. ناصر الدين عبد الكريم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *