2026 08 03

كتب القيادي السياسي والوجيه Boydiel Houmeid النص التالي:
لا يسعني إلا أن أعرب عن دهشتي إزاء التصريحات التي أدلى بها خلال الأيام الماضية وزير الخارجية السنغالي الأسبق، السيد الشيخ تيجان غاديو، عندما قال: «نحن السنغاليين، نشأنا في مخيلتنا الجماعية على الاعتقاد بأن المغرب لا يبعد عن السنغال سوى بضعة كيلومترات».
ولعل المخيلة تمثل بالنسبة للمفكر أو الأديب منبعًا للإلهام، غير أن السيد غاديو ليس مجرد مثقف عادي، بل هو وزير خارجية سابق لا يزال حاضرًا في المشهد السياسي السنغالي، وهو ما كان يقتضي منه قدرًا أكبر من الدقة والرصانة، والاستناد إلى حقائق تاريخية أكثر ثباتًا.
ومن المعلوم أن المملكة المغربية تبنت، عند استقلال موريتانيا، مطالبات تتعلق بأراضيها، إلا أن تلك المطالب لم تستند إلى أي أساس تاريخي متين. أما الحقيقة التي تثبتها المصادر التاريخية، فهي أن دولة المرابطين، التي نشأت وترعرعت داخل حدود موريتانيا الحالية، تمكنت منذ القرن الحادي عشر من بسط نفوذها على المغرب بأسره، وأسست مدينة مراكش في عهد الأمير يوسف بن تاشفين، قبل أن تمتد فتوحاتها إلى جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية.
وخلال القرون اللاحقة، ظل المستكشفون الأوروبيون والمراكز التجارية يتعاملون مع الكيانات المحلية القائمة، إلى أن بدأ التوسع الاستعماري الفرنسي في مطلع القرن العشرين، انطلاقًا من السنغال المجاورة. ومنذ ذلك الحين غدا التجاور بين موريتانيا والسنغال أكثر وضوحًا وتجسدًا، حتى إن المستعمرتين كانتا تتخذان من مدينة سانت لويس عاصمة مشتركة للإدارة الاستعمارية.
ومنذ نيلهما الاستقلال، دأبت موريتانيا والسنغال على ترسيخ علاقات الصداقة والأخوة والتعاون وحسن الجوار، وهي علاقات ستظل، بلا شك، ركيزة ثابتة بين البلدين.
وأرى أن السيد غاديو لم يكن موفقًا في تعميمه حين قال: «نحن السنغاليين…». فأنا أعرف السنغال معرفة وثيقة، إذ قضيت فيها جانبًا مهمًا من طفولتي. وفي الأوساط الشعبية هناك يُطلق اسم «غينار» على موريتانيا، باعتبارها الجار الشمالي، ويُعرف الموريتانيون باسم «نار غينار». ولا يختلط الأمر لديهم بالمغاربة، الذين يسمونهم «نار فاس» نسبة إلى مدينة فاس، كما يطلقون تسمية «نار بيروت» على اللبنانيين والسوريين.
ويبقى أن أشير إلى الوساطة السنغالية التي أفضت إلى الاتفاق الموريتاني–الموريتاني عام 2008. فقد استحضرها السيد غاديو لإبراز الدور الذي قام به شخصيًا، بصفته وزيرًا للخارجية آنذاك، مؤكدًا أن جميع الموريتانيين يدينون بالامتنان لتلك الجهود التي، بحسب قوله، أسهمت في «إحلال السلام» و«تجنيب البلاد حربًا أهلية».
ولا خلاف في أن السنغال، ووزير خارجيتها آنذاك السيد غاديو، اضطلعا بدور مهم في تيسير الوصول إلى ذلك الاتفاق، وهو دور يستحق التقدير. غير أن الحديث عن وجود خطر حقيقي لاندلاع حرب أهلية يبدو، في تقديري، مبالغًا فيه؛ إذ لم يكن المشهد يتجاوز وجود معسكرين سياسيين، أحدهما يرفض الانقلاب، والآخر يؤيده، وكانت الخلافات ذات طبيعة سياسية بالأساس.
وقد سبق للرئيس السنغالي عبد الله واد، خلال زيارة قام بها إلى نواكشوط، أن أشاد بما اتسمت به المفاوضات الخاصة بالاتفاق من نضج ديمقراطي، كما أثنى على روح الود والتفاهم التي سادت بين الوفود المشاركة، وهي الأجواء نفسها التي قال إنه لمسها في الشوارع الرئيسية للعاصمة الموريتانية.
الحبر ميديا نقل الخبر.. بمصداقية وأمانة