رسالة من زعيم بيرام الداه اعبيد إلي المواطنيين الموريتانين

رسالة من بيرام ولد الداه ولد اعبيد إلى المواطنين الموريتانيين الأعزاء

14 08 2026

أيها المواطنون الأعزاء،

حكم على ثلاثة مناضلين من «إيرا»، يوم أمس، 13 أغشت 2026، بأربع سنوات نافذة، في قضية بدأت أساساً ببلاغ عن وقائع يُشتبه في أنها جريمة استرقاق، وهو اشتباه أكده بعد ذالك ارتباك المحكمة ووالي الحوض الغربي وهيئة تآزر ورئاسة الدولة في تعاملهم الغريب مع الضحية وأمها.

أقولها بوضوح: أنا أقف إلى جانب هؤلاء المناضلين، وإلى جانب أسرهم، وأحمّل السلطة مسؤولية عن هذا الظلم الجسيم والمدوي، كما أحيي الرفاق الأبطال الصامدين (الحاج العيد، عبد الله أبو جوب، بوالناس احميدا) على صمودهم المربك لأعداء الحرية والحقوق و أحيي و أشكر هيئة الدفاع المشكلة من الأساتذة المحامين الحقوقيين المتطوعين.

لكن القضية أكبر من ثلاثة مناضلين مهما علت هممهم وكبر تقديرهم. تقول بلادنا إنها ألغت العبودية، وتقول إنها تحاربها. فكيف يصبح من يبلّغ عن العبودية هو الذي يدخل السجن؟
كيف يتحول من يكشف الاسترقاق إلى متهم، بينما يبقى الاسترقاق نفسه، في في جميع الحالات، بلا حماية للضحايا ولا محاسبة للمسؤولين عنه؟

إن الدولة التي تحارب العبودية يفترض فيها أن تحمي من يفضحها. أما أن يصبح من يفضحها هو المستهدف، فهذه ليست مكافحة للعبودية. هذه مكافحة لمن يكشف العبودية، وهي مكافحة واستهداف لجمهور المتضررين من ممارسات ومخالفات العبودية.
ثم انظروا إلى سرعة هذه المحاكمة، وإلى قسوة و مجانية الأحكام الصادرة فيها. وانظروا، في المقابل، إلى ملفات الفساد وسوء التسيير ونهب المال العام.
تقارير محكمة الحسابات مليئة بالوقائع والأرقام والأسماء التي دمرت البلد وحولت الشعب إلى مجموعات بائسة معدمة، لا عمل ولا طرق ولا ماء ولا كهرباء ولا مدرسة ولا علاج….
ومع ذلك، كم من هذه الملفات وصل إلى نهايته؟.. كم من الذين وردت أسماؤهم في هذه التقارير تمت محاسبتهم بنفس السرعة التي حوكم بها هؤلاء المناضلون؟
إنهما السؤالان اللذان يجب أن يجيب عنهما النظام.
ولتتذكروا محمد ولد غده: رجل واجه الفساد وكشف ما اعتبره تجاوزات وملابسات خطيرة في صفقات عمومية. ماذا كان مصيره؟. لا شيء غير المتابعة والسجن والإدانة.
إذن، نحن لا نتحدث اليوم عن حادثة معزولة. هناك نمط يتكرر: من يفضح العبودية يُلاحق.. من يفضح الفساد يُلاحق..من يفضح نهب المال العام يُلاحق.. ومن يرفع صوته ضد الظلم يجد نفسه في مواجهة السلطة.
وفي المقابل، أين هي السرعة نفسها عندما يتعلق الأمر بمن تُوجه إليهم الاتهامات بسرقة المال العام وتبديده؟

أين هي الصرامة نفسها؟ وأين هي المحاسبة؟
إننا نشهد، في الوقت نفسه، إطلاق سراح عدد من المتابعين في قضايا مرتبطة بالاتجار بالمخدرات وغسيل الأموال وإغراق السوق بالأدوية المزورة وجلب حمولات حبوب الهلوسة.
إنه الكيل بمكيالين: أربع سنوات نافذة لمن يبلّغ عن الاسترقاق، وتساهل وإفراج في ملفات أخرى مدمرة للشعب وللوطن وللمجتمع!!.
هذه هي الصورة التي يراها المواطن الموريتاني.
ثم تعالوا نتذكر التاريخ.
في سنة 2016، في عهد ولد عبد العزيز، حُكم على 13 مناضلاً من «إيرا» بأحكام قاسية وصلت إلى 15 سنة، وكان من ضمنهم البطل المدان أمس عبدالله أبو جوب. لقد أُبعدوا عن نواكشوط. وزُج بهم في سجون بعيدة. كانوا يريدون عزلهم. وكانوا يريدون كسرهم. وكانوا يعتقدون أن القمع سيُنهي «إيرا». لكن ماذا حدث؟ أصبح ولد عبد العزيز اليوم قابعا في السجن، بيد أن «إيرا» ما انفكت ولم تزل وستظل واقفة. ما زالت موجودة. وما زالت تناضل وتتمدد.
واليوم، بعد عشر سنوات، نرى السلطة تعود إلى الأسلوب نفسه.
ولهذا أقول لمحمد ولد الغزواني: لقد قلتم إنكم جئتم بأسلوب مختلف. فما الذي يتغير عندما يتعلق الأمر بـ«إيرا»؟ ما الفرق بين ما تفعلونه اليوم وما فعله ولد عبد العزيز بالأمس؟ هل تغيرت العقلية؟ هل تغيرت الطريقة؟ أم أن الوجوه فقط هي التي تغيرت؟
وهنا أطرح سؤالاً آخر: هذا التشدد.. هذه الملاحقات المتتالية.. هذه الأحكام القاسية.. وهذه الرغبة في إسكات الأصوات التي تزعج السلطة، هل هي علامة على قوة النظام و تماسكه وثقته بنفسه؟ أم أنها علامة على أن النظام بدأ يشعر بأن دورة حكمه تقترب من نهايتها؟.

التاريخ القريب سيجيب. والموريتانيون سيحكمون.
أما أنا فأقول شيئاً واحداً بوضوح: أنا لا أدافع عن هؤلاء المناضلين لأنهم ينتمون إلى «إيرا» فقط. أنا أدافع عنهم لأنني أدافع عن حق كل موريتاني في أن يتكلم، وحق من يكشف العبودية في أن يتكلم، وحق من يكشف الفساد في أن يتكلم، وحق من يفضح نهب المال العام في أن يتكلم، و حق كل من يفضح تزوير الإنتخابات أو تزوير الشهادات أو تزوير و نفخ الفاتورات أن يتكلم، وحق المواطن في أن يطالب بحقه دون أن يتحول هو نفسه إلى متهم.
فالبلد الذي يخاف فيه من يكشف الظلم أكثر من الذي يمارسه، بلد اختل فيه ميزان العدالة.
ولهذا، فإن القضية اليوم ليست قضية ثلاثة مناضلين فقط، وليست قضية «إيرا» وحدها.
بل أظنها قضية وطن بأكمله وشعب بأسره..
القضية كلها هي: هل يستطيع الموريتاني أن يقول الحقيقة دون خوف؟ وهل يستطيع أن يطالب بالعدل دون أن يدفع ثمن ذلك من حريته؟ وهل يستطيع أن يفضح الظلم دون أن يصبح هو نفسه ضحية للظلم؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة تمثل لب المعركة. وهذه المعركة لن نتراجع عنها و سنخوضها بإسم و مع جميع الموريتاني.
و لن أختم قبل أن أحيي جماهير المناضلين الإيراويين الذين تدفقوا بالأمس على محكمة نواكشوط الشمالية وصمدوا أمام آلة التعذيب والتنكيل وأنواع العنف المفرط المستخدم من طرف النظام، وصمدوا حتى نهاية المحاكمة؛
أحيي الثلاثة الذين صمدوا أشهرا في السجن الظالم ثم خرجوا منتصرين.
أحيي الثلاثة الذين ما يزالون في السجن، يعتلون منبر المقاومة الحقيقي.. وأحيي صبر ومقاومة نسائهم وأطفالهم، وأعدهم بالنصر والتمكين، فهما وعد الله للمستضعفين والمعبدين في الأرض، أولئك الذين يستخلفهم فيها ويجعلهم الوارثين.
بيرام ولد الداه ولد اعبيد

الحبرميديا
#تابعونا